( نرجس بري ) الباب الثاني : خريف أوديسا للكاتبة إيمان حسونه
08.05.2021
الاخبار, مقالات
1,298 زيارة

يقال أن الورقة التي لم تسقط في فصل الخريف خائنة في عيون أخواتها ،وفية في عين الشجرة و متمردة في عيون الفصول ،فالكل يرى الموقف من زاويته .
فصل الخريف في أوديسا مختلف تماما عن الخريف في بقاع العالم أجمع ..لديه سحره الخاص أوراقه ملونة بألوان خاطفة كأن تجد ورقة واحدة تحمل أكثر من لون ، قلبها برتقالي مشع ثم يتدرج الى بعض من الحمرة والصفرة الى أن تجد بعضا من الخضرة على الاطراف وكأن الورقة تتعرى لونا بلون .
كل الشوارع والطرقات مغطاة بأفرشة من الأوراق المتساقطة هنا وهناك و الأشجار تودعها ورقة ورقة قبل أن تصبح عارية هي الأخرى .
حتى السماء تعبر عن مشاعرها فتذرف بعضا من العبرات لكل ورقة ذابلة فيكتسح الطرقات عطر آسر يجمع بين قطرات المطر و الثرى.
كم أعشق تلك الرائحة خاصة في المساء وأنا ذاهبة إلى محطة الإذاعة لأقدم برنامجي الإذاعي *هنا أوديسا مع إستال*.
وصلت إلى الأستوديو فأخذت موقعي وأحضرتلي زميلتي كوبا دافئا من القهوة التي أعشقها.
اليوم هو الجمعة إنه يوم مميز لأنه مخصص لإستقبال تساؤلات حول مشاكل شخصية يطرحها المتصلون و نحن نحاول إيجاد حلول لها.
وما بين سؤال وآخر وجدتني أجيبهم بشيء مني و من ذاكرتي و ذكرياتي ورغم أن خبرتي في الحياة متواضعة جدا الا ان كلامي كان له وزن وطعم .
ربما هذا لأني تربيت على يد جدتي التي منحتني إسمي و سقتني من خبرتها الكثير…
تلك السيدة العظيمة التي لم تشعرني يوما بالحاجة إلى أحد ، ولم أشعرو أنا بالقرب منها بفراغ ولا ضياع..
هي كالبلسم حين يوضع على الجرح فيلتئم ، طفولتي كانت جميلة جدا قضيتها بين اللعب والتعلم وبين الحدائق و مخبزة جدتي ،دخلت إلى المدرسة وتعلمت القراءة و الكتابة ومختلف العلوم لم أكن الأولى في صفي لكني كنت من المتميزين تعلقت كثيرا بالأدب الفرنسي و إخترته كتخصص في الجامعة ، عشقت روايات هيوجو خاصة البؤساء وأحدب نوتردام كانت المفضلة لدي ،إن كلماته تنخر بجسدي لشدة قوتها ،و تعابيره المنتقاة تطبع في قلبي ترانيم خاصة، بسببه تأصلت بداخلي معاني جميلة في الحياة كالإخلاص و الوفاء و الحب الصادق ،وعدم الكذب و الخيانة .لا أبالغ إن قلت أن هذا الكاتب المبدع كان السبب في جعلي إنسانة جديرة بالثقة ومسؤولة قادرة على العطاء السخي و الحب اللامشروط القائم على المبادىء و القيم .
أعمل في محطة الإذاعة في الفترة المسائية فقط لكني أقضي بقية وقتي في مساعدة جدتي ليزا في المخبزة ..وجدتني موهوبة بالفطرة في الطبخ ،كلما لمست العجينة بدأت أناملي في نحت مخبوزات مميزة وكأني أنحت الفخار.
الطبخ هو أكثر شيء لا أمل منه و كأن رابطا عاطفيا يجمعني به.
وعدتني جدتني بأن ترافقني إلى فرنسا لأخذ دروس خاصة في الطبخ لكننا لم نذهب سويا بعد.
***يتبع……