( نرجس بري ) الباب الثالث : سؤال
22.06.2021
مقالات
1,514 زيارة

كانت جدتي تذهب بمفردها إلى باريس لكنني أجهل السبب أشعر حقا بأنها تخفي سرا عني ، و تزداد تلك الهواجس بمراودتي كلما ذهبنا إلى الكنيسة للصلاة فهي تهمس باسم والدتي دائما ولكنها لا تخبرني بشيء.
لا أعلم شيئا عن والداي فجدتي ترفض التحدث عنهما و لكنها في المقابل قامت بدورهما على أكمل وجه، ربما لأن الماضي كان يحمل أشياء تنهش في صدرها و نسيانها هو الحل للسلام الداخلي.
انه يوم جديد إستيقظت على رائحة منعشة للفطور و هاهي جدتي تنادي إستيقظي إستال لتناول الطعام.
ما أجمل أن تجد شخصا يطبخ لك ، بالنسبة لي الطبخ ليس مجرد مقادير و مكونات توضع وفق ترتيب معين بل الطبخ هو روح قائمة بحد ذاتها ولمسات دافئة و مشاعر جياشة نشعر بها كلما تناولنا طبقا صنعه شخص من أجلنا ، هو طريقة خاصة للتعبير عن حبنا .
: بعد تناول الطعام ذهبنا للعمل ، تعرفت على المساعد الجديد في المطبخ لأن المساعد السابق قد رحل للعيش في منطقة أخرى لظروف خاصة .
جدتي تخبره الآن بقصة الخبز الفرنسي التي سمعتها عنها ألف مرة حتى حفظتها عن ظهر قلب .
قالت انه يلقب بخبز المساواة فبعد الأحداث التي شهدتها فرنسا قبل القرن التاسع عشر حيث هيمنت التفرقة الاجتماعية و الطبقية في كل شؤون الحياة حتى في الخبز فقد كان له أنواع و ألوان تقدم لكل فئة على حدى فللطبقة الغنية خبز أبيض و للطبقة المتوسطة خبز أسمر و أما الطبقة الفقيرة فلها خبز رمادي .
: لا أعلم ما مشكلة الإنسان مع الألوان فقد تعرض السود للعنصرية من البيض و تعرض الفقراء للعنصرية من الأغنياء فحرموهم من لمس الخبز الأبيض و سمحوا لهم بتناول الخبز الرمادي .
اللون الرمادي هو مزيج من اللونين الابيض و الأسود و كأنهم أرادوا تهميشهم بوضعهم في المنتصف و ما أسوء المنتصف الذي يجعلك معلقا بين حالتين لا أنت قادر على البقاء فيه و لا أنت قادر على الهرب فقط يشعرك بأنك مختلف.
: لكن بعد الثورة الفرنسية ظهر خبز الباغيت ليساوي بين الجميع فهو خبز فاخر و بخس الثمن في الوقت ذاته .
***
جلسنا لأخذ قسط من الراحة و حضرنا بعض الشاي الساخن لتدفئة أجسادنا و أخذنا نتجاذب أطراف الحديث كنت جالسة أنا و ألكسندر.
ألكسندر هو المساعد الجديد يبدو شخصا لطيفا و محبا للعمل لكن ما لفتني أن في عينيه جرح مدفون .
و من حديث لآخر سألني ألكسندر : هل أنت مرتبطة؟
أجبته : كلا ،و أنت ؟
قال: لقد كنت مرتبطا بإمرأة رائعة جميلة جدا كانت حبيبة وصديقة و أما في الوقت عينه ، معها شعرت بقيمة الحياة كان كل يوم مختلفا عن اليوم الذي قبله ، إمتلكت قلبي و كل كياني كانت إبتسامتها المنقوشة بإحتراف على شفتيها تنسيني كل ألم أو تعب لكن الزيف يكشف مع مرور الوقت .
سألته بإندهاش :لماذا هذا التجهم على وجهك ما اللذي حصل ؟
قال: تركتني دون سابق إنذار و ذهبت لأحضان رجل آخر ،لم أعلم السبب و لم تخبرني بأي شيء لكن لشدة حبي لها تركتها لما تريد .
سألته باندفاع : ربما أخطأت في حقها بشيء ما لأن الحب الكبيريستحيل أن يبهت بتلك البساطة إلا إن لم يكن حقيقيا منذ البداية .
قال: بعد فترة من رحيلها تغير كل شيء في حياتي ، لم أستعد توازني بعد و لكني أحاول، الشيء الوحيد الذي أدركته بعد تلك المدة أني إهتممت بهاأكثر من اللازم و أحببتها أكثر من اللازم و الحب الكبير ينتهي بألم كبير.
عدت إلى البيت و كلماته الأخيرة تتردد على مسامعي ،إستغربت حقا.
لقد كنت ساذجة المشاعر وقتها لم أفهم قصده حين قال الحب الكبير ينتهي بألم كبير ، كيف لشخص أن يحبك ثم يتركك ذليلا مكسور الخاطر.
الحب بالنسبة لي هو شيء عظيم مقدس حاشاه أن يلوث بتلك الطريقة .
يتبع……….
خريف أوديسا للكاتبة إيمان حسونه