
د. عبد الرحيم الحسناوي
عندما أكد فريدريك هيجل (Friedrich Hegel)، منذ عام 1820، أن الصحيفة هي صلاة الصبح (العلمانية) للإنسان الحديث، فهم إلى أي حد ستكون الصحافة شاهدة وفاعلة في الحوادث والاضطرابات. وعندما يتعلق الأمر بالتاريخ القريب، فإن المؤرخ يجد تحت تصرفه مادة صحفية تتولى تفسير الأخبار اليومية بطريقة عارضة .فالصحافة تشكل مادة تاريخية بغض النظر عن مهنيتها، إذ أن مهمة التدقيق التاريخي تقع على عاتق المؤرخ وليس على عاتق الصحفي. إن الأساسي في كل هذه العملية هي الأدوات التي يملكها المؤرخ أثناء تعامله مع المصدر الصحفي والكيفية المثلى أو الوسيلة الناجعة للتحكم في الكم الهائل من المعطيات التي توفرها الصحف وهو ما يجعل المسح الكامل والشامل لها وعلى امتداد فترات زمنية طويلة أمرًا صعبًا.
وإذا كانت للمؤرخ نظرة أفضل وأعمق إلى الأحداث، فإن للصحافيين بعض المزايا الخاصة أهمها أنهم شهود عيان للأحداث، فهم أخصائيون في فن مشاهدة الأحداث أي أنهم يعيشون وقت وقوعها ويلمون بالإطار العام الذي يحيط بالأحداث التي تتضمنها تقاريرهم وتحقيقاتهم الصحفية. ولكنهم مع ذلك فهم يدركون أن عملهم يقتصر على التعليق وليس على المعالجة العلمية. فقواعد التاريخ ملزمة. وعلى العكس من الصحفي الذي يستهلك الحدث يعمل المؤرخ على تجاوز القراءة الاستهلاكية للحدث كما تقدمه وسائل الإعلام وخاصة في زمن العولمة والتحديث.
وإذا كانت الصحف تؤرخ للحدث وتوثق كل ما يتعلق به، فهي تخلق الحدث في نفس الآن. بل الأكثر من ذلك بإمكانها، أن تدفع ببعض الأحداث إلى الواجهة العمومية أو السياسية، بل وتتدخل مباشرة في مجرى التاريخ “الكبير”، كما تدل على ذلك مثلا قضية واترغيت (Watergate) ؛ فالصحيفة إلى جانب كونها مصدرا إعلاميا بالدرجة الأولى، فهي أيضا أداة لتحريك المجتمع بفعل تأثيرها المتنامي والواسع. ومن كل هذا ازدهار صحافة التحقيق وصحافة الإثارة كما هو معروف. والصحيفة فوق هذا وذاك هي موضوع تاريخي في حد ذاته.
تعتبر مجاميع الصحف في الزمن الحاضر من أخصب مصادر المعلومات التي يستخدمها المؤرخون لما توفره من بيانات عن الفئات الاجتماعية والمهنية والسياسية، وباختصار شديد عن نبض المجتمع وهو في لجة التحولات السريع منها والبطيء. وبالنسبة للمؤرخ المهتم بقضايا الرأي العام مثلا، فإن الإعلام الصحفي يعتبر هنا آلية متميزة لكل من يرغب في تحليل أي تيار سياسي أو إيديولوجي. فالإعلام هنا هو في نفس الوقت الانعكاس والبناء. ولذلك ربط المؤرخ بيير نورا بين الإعلام والأحداث، فالعلاقة بينهما تبدو قوية وشديدة إلى درجة تبدو معها غير قابلة للانفصال، فوسائل الإعلام عمومًا هي الفضاء الأفضل والملائم لنقل التاريخ الآني والحديث هنا عن دمقرطة الخبر أي جعل الحدث أكثر جماهيرية وديمقراطية.
في الوقت الحاضر، بات من شبه المستحيل أن نتجاهل الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في نقل الأخبار والمعلومات، فعن طريقها وعبرها يواجهنا الحدث بشكل يومي، فالإخبار بالواقعة هو الذي يمثل الحدث، “فهناك وقائع رئيسة قد تحدث ولا نعيرها اهتماما، فكونها وقعت يجعلها فقط تاريخا، ولكي تصبح أحداثا يجب أن تعرف.
ويمكننا أن نصور أيضا ميزة الأساليب الصحفية تصويرًا أفضل من خلال الانتشار الواسع للمحطات التلفزية والقنوات الفضائية في أرجاء العالم كافة. إن السمة الرئيسة للصحافة التلفزيونية هي القدرة على تقديم الحدث لحظة وقوعه، أي تحقيق التزامن بين وقوع الحدث وبين زمن العرض، فالمراسل التلفزيوني يقوم بدور الشاهد على الحدث، إنه عين المشاهد وأذنه، وبالتالي يمكن القول إن التقرير الإخباري يقدم السياق الواقعي للحياة في الزمان والمكان الواقعيين.
تشكل الصحافة إذن وبمختلف أنواعها المكتوب والسمعي والبصري حقلًا وثائقيًا جديدًا ومهمًا بالنسبة لمؤرخ الزمن الحاضر. بيد أن الاستفادة منها تستوجب الانتباه إلى الرقابة المفروضة عليها، فهي ليس حرة تمامًا، هذا بالإضافة إلى الوعي التام بتوجهها السياسي والإيديولوجي. ومن هنا كان الاعتماد على نصوص من الصحف، لا يعطي ضمانة أكيدة على مصداقيتها، إلا بعد القيام بتحليل كمي لمحتوياتها وعلى وفق طرائق مجربة ومعروفة تدخل في صميم منهج المؤرخ خاصة، ومناهج العلوم المجاورة أو المساعدة عمومًا. وفي هذا السياق كان لابد للمؤرخ من الإلمام بمناهج تحليل الإعلام وخاصة مناهج تحليل المضمون ومناهج تحليل الصورة أو ما يعرف بعلم السيميائيات.
تعتبر الصحف من أقدم وسائل الاتصال. وليس من باب الصدفة أن تكون الكلمة نفسها (Presse) بالفرنسية تعني الأداة. فالصحافة تكتب التاريخ في صيغة الحاضر بحسب تعبير ألبير كامو (Albert Cmus) . تبرز هنا أهمية الخبر الصحفي المصور بالدرجة الأولى. فمهمته الأساسية هي فتح حقل بصري لتمكين العالم من الظهور وخلق فضاء للرؤية. فليس التلفزيون وحده الذي يجعل العالم مرئيا بل إن الجريدة بدورها تساهم في ذلك، حيث تقدم الصحيفة مثلًا عرضًا شاملًا للتاريخ الجاري المحلي والوطني والأجنبي على السواء وهي تعرض الأحداث للقارئ بعد وقت قصير جدًا من وقوعها.
صارت الصحافة تضطلع بدور هام في المجتمع وذلك حينما جعلت من الحدث مادة للاستهلاك اليومي، وركزت الخبر في الفضيحة والإثارة والفرجة وقد لعب الصورة الصحفية دورًا كبيرًا في ذلك. حيث أثبتت الصورة الصحفية وجودها بسرعة فائقة إذ عبرها فتحت نافذة للإنسان العادي حول العالم الذي يعيش فيه، حول البلد الذي ينتمي إليه، حول المدينة التي يسكنها. بل نافذة حول الشارع أو الزقاق الذي يسكنه. وبدأت الصورة تهتم بالمجتمع كله وفي شتى مجالات الحياة كالصناعة والحروب وعالم المال والسياسة…إلخ.
تعد الصحافة بلا شك المصدر الفوري للحدث، فهي شاهد عيان على ما يحدث. ومن خلالها كذلك يمكن قياس توجهات الناس ونبض الشارع والتعرف على مشكلات المجتمع وقضاياه. ومن المواد التي نجدها في الصحف أيضًا البيانات والتصريحات الصادرة عن مراكز صنع القرار في الدولة وعن الأحزاب والتنظيمات السياسية وهيئات المجتمع المدني أضف إلى ذلك مقالات الرأي التي يوضح فيها أصحابها مواقفهم من مختلف القضايا المطروحة سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وغيرها من المستويات.
السلام نيوز