المسرحية الكبرى: فلسفة الهيمنة والعداء المعلن – د. صالح محمد ظاهر
08.01.2025
الاخبار, الصحافة, مقالات
489 زيارة

التاريخ الإنساني مليء بالصراعات التي تساق على أنها معارك أيديولوجية أو مواجهات حضارية، لكنها في حقيقتها تجسيد لصراع المصالح الذي يدار خلف الكواليس. في عالم اليوم، تعتبر أمريكا وروسيا المثال الأبرز لهذه الثنائية المسرحية التي يعرض فيها الصراع كمعركة بين الخير والشر. إلا أنه إذا ما أزلنا الأقنعة، سنكتشف أن هذا الصراع يخفي وراءه هدفًا مشتركًا يتمثل في الهيمنة على الموارد وإعادة تشكيل القيم الإنسانية بما يتماشى مع مصالح النخبة الحاكمة.
هذا النمط من الصراع ليس وليد العصر الحديث، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الهيمنة الممنهجة. من أبرز الأمثلة على ذلك ما قدمه قادة مثل هتلر وستالين من نماذج للسيطرة والتلاعب بمصير الشعوب. هتلر استخدم شعارات النقاء العرقي كواجهة لتبرير الحروب والتوسع، بينما وظف ستالين فكرة المساواة الاجتماعية لخدمة نظام مركزي صارم. كلاهما اعتمد على التخويف والخطاب الدعائي لبسط نفوذهما وإحكام سيطرتهما.
الصراع بين القوى الكبرى اليوم ليس عشوائيًا، بل هو شكل من أشكال التعاون المستتر بين النخب لتحقيق أهداف خفية. أمريكا وروسيا تمثلان طرفي نقيض في السردية العالمية؛ حيث تظهر أمريكا نفسها كحاملة لواء الديمقراطية، فيما تظهر روسيا كمدافع عن القيم التقليدية والمقاومة للهيمنة الغربية. ولكن عند النظر بعمق، نجد أن هذا العداء المعلن ليس سوى غطاء يخفي وراءه مصالح مشتركة.
الأحداث العالمية تؤكد أن هناك توزيعًا مدروسًا للأدوار لتحقيق أهداف الهيمنة المشتركة. مثلما تقاسمت القوى الكبرى في القرن العشرين موارد العالم عبر حروب ومعاهدات، يستمر اليوم هذا النهج باستخدام أدوات مختلفة. هتلر وستالين استغلا الفوضى والحروب لترسيخ سلطتيهما، واليوم تستخدم نفس الوسائل، لكن بوجوه مختلفة.
في هذا السياق، يعاد إنتاج سرديات العداء لتبرير التدخلات العسكرية والسياسية والاقتصادية. هذه السرديات تستخدم بشكل بارع لتوجيه الشعوب وتشتيت انتباهها عن الأهداف الحقيقية للصراعات. الخطابات الدعائية في عهد هتلر وستالين كانت تهدف إلى التحكم في الجماهير وإقناعها بضرورات الحرب أو التضحية، واليوم تقوم وسائل الإعلام بالدور ذاته بطرق أكثر تطورًا.
الإنسان لم يعد غاية بحد ذاته في هذا النظام العالمي، بل مجرد أداة تستغل لتحقيق المصالح. كما كانت سياسات هتلر وستالين تعتمد على تحويل الإنسان إلى رقم في معادلات السيطرة، يستمر هذا النهج اليوم من خلال الحروب التي تزهق فيها أرواح الملايين دون حساب، والنظم الاقتصادية التي تجبر البشر على العيش تحت وطأة الفقر.
التاريخ لا يعاد تكراره بالصدفة، بل يدار بعناية ليخدم قوى معينة. القوى الكبرى، سواء في الماضي أو الحاضر، تبقي العالم في حالة انقسام دائم لتأمين سيطرتها. هتلر وستالين استغلا هذا الانقسام بشكل واضح، وأحداث اليوم تدار بنفس الآليات التي تجعل من الصعب كسر حلقة الهيمنة.
إن ما يقدم للبشرية كصراعات حتمية هو في الحقيقة مسرحية مدروسة بعناية. الإنسانية الآن أمام خيارين: إما أن تبقى حبيسة هذه الدائرة المغلقة التي تدار من خلف الستار، أو أن تعيد صياغة دورها من خلال تعزيز الوعي الجماعي وفهم طبيعة النظام العالمي الذي يتحكم بمصيرها.
تحرير الإنسانية يبدأ بفهم أعمق للعبة الكبرى التي تحاك في الخفاء، وبقدرة الشعوب على مواجهة هذه التحديات بإرادة واعية ترفض الظلم وتطمح لبناء مستقبل عادل.
د. صالح محمد ظاهر
رئيس منظمة الدرع العالمية