
صالح محمد ظاهر ليس مجرد اسم في عالم الدبلوماسية وحقوق الإنسان، بل هو رمزٌ لنضالٍ بدأ في مخيم للاجئين الفلسطينيين، حيث وُلد وترعرع هناك، محملاً بذاكرة وطنٍ سُلب وحلمٍ لم يتحقق بعد. ورغم الظروف الصعبة التي عاشها كلاجئٍ فلسطيني، فإن إصراره وقوته تجاوزت حدود اللجوء والفقر ليصبح من أبرز الشخصيات المؤثرة في الدفاع عن حقوق الإنسان في أوروبا والعالم.
في بداية التسعينات، بدأ صالح محمد ظاهر في كتابة الشعر، حيث أصدر ثلاث مجموعات شعرية تعكس تجربته الحياتية وآماله وأحلامه. وكان الشعر بالنسبة له وسيلة للتعبير عن مشاعره وتطلعاته، مما أضاف بعدًا إنسانيًا لرؤيته حول الحياة والمعاناة.
الطفولة في المخيم وحلم العودة
وُلد ظاهر في مخيم للاجئين، بعيداً عن وطنه الأصلي فلسطين، وتحديداً من قضاء صفد، ليعيش مأساة التشرد التي طالت ملايين الفلسطينيين. في طفولته، عرف صالح الظلم والحرمان، وشاهد بأم عينيه الأمل يلمع في عيون الكبار والصغار وهم يتحدثون عن حق العودة. وبدلاً من أن تقيده هذه التجربة، كانت مصدر قوةٍ وإلهامٍ له ليصبح صوتًا ينادي بالعدالة في كل مكانٍ تطأه قدمه.
الدبلوماسية وحقوق الإنسان: رحلة كفاح ممتدة
في عام 1998، انتقل صالح ظاهر إلى أوكرانيا بعد مسيرة تعليمية مميزة في القانون الدولي، حيث قرر أن يجعل من حقوق الإنسان قضيته الكبرى. أسس منظمة الدرع العالمية في جمهورية أوكرانيا، والتي أصبحت فيما بعد من المنظمات التي تركز على الدفاع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين والحد من التمييز العرقي والديني.
مناصب ومبادرات لا تنحني للصعاب
تدرج صالح ظاهر في العديد من المناصب الدولية، ليصبح رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي وجمعية السلام العالمية للمشروعات، وليؤسس جريدة السلام الناطقة باللغة الروسية ووكالة الأنباء الدولية صوت العالم. كان ظاهر يرفع صوته من خلال هذه المؤسسات، مؤكدًا أن العدالة والسلام يجب أن يكونا حقًا لكل الشعوب، خاصة للشعب الفلسطيني.
ولم يقتصر نشاطه على الجانب الإعلامي، بل كان أول من طالب بتعديل ميثاق الأمم المتحدة ليوقف حق “الفيتو” في القضايا الإنسانية؛ فالفيتو الذي يحمي الدول القوية لا يعكس في رأيه العدالة التي تتوق إليها الشعوب المضطهدة.
الجوائز والتكريمات: تكليل لمسيرة حافلة بالعطاء
نال ظاهر العديد من الجوائز تكريماً لنضاله، منها وسام رئاسي من الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو، ووسام التضحية والحب لأوكرانيا من الكنيسة الأوكرانية. كما حصل على جائزة أفضل شخصية ثقافية لعام 2019 من “مصر”، ووسام الشرف والقلادة الذهبية من أكاديمية الفن المعاصر. هذه الجوائز ليست فقط اعترافًا بجهوده، بل هي تقديرٌ لصوت الفلسطيني الذي يناضل من أجل قضية أكبر من مجرد حقوق شخصية.
نضال لا ينتهي من أجل فلسطين
كان صالح ظاهر وما زال مدافعًا شرسًا عن القضية الفلسطينية. في المؤتمرات الدولية، لم يترك فرصة إلا ونادى فيها بحق الشعب الفلسطيني في العودة، ورفض التهجير، وحق الأسرى في الحرية، وحق القدس في السيادة الفلسطينية. في عام 2014، قاد حملة منظمة الدرع الدولية للمطالبة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، مؤكداً أن فلسطين تستحق أن تكون دولة حرة ومستقلة.
وعندما طُرحت فكرة نقل السفارة الأوكرانية إلى القدس، كان من أوائل الشخصيات التي عارضت هذا المشروع، واستخدم كافة السبل للضغط على البرلمان الأوكراني لمنع هذه الخطوة التي اعتبرها اعتداءً على حق الشعب الفلسطيني.
أكثر من مجرد رجل: صالح ظاهر رمز للأمل والعدالة
صالح ظاهر هو أكثر من مجرد دبلوماسي وناشط حقوقي؛ هو تجسيدٌ لحلم الفلسطيني الذي لا ينكسر، وإيمانٌ بأن العدالة قادمة مهما طالت السنين. سعيه الحثيث لحقوق الإنسان ومبادراته الإنسانية لا تنفصل عن قضيته الأصلية، فلسطين، التي تبقى حاضرةً في كل كلمةٍ ينطق بها وكل مشروعٍ يطلقه.
إرثٌ باقٍ ونضالٌ مستمر
إن مسيرة صالح ظاهر ليست مجرد صفحات في كتاب التاريخ، بل هي رسالة للأجيال القادمة بأن النضال من أجل العدالة لا يتوقف عند حدود أوطاننا، بل يتجاوزها ليصبح رسالةً للإنسانية جمعاء. في عالم تتلاطم فيه أمواج الفوضى والظلم، يبقى صالح محمد ظاهر دليلاً على أن الأمل يمكن أن يزدهر في أحلك الأوقات، وأن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تُنسى.
الباحثة امل ظاهر






السلام نيوز