الرئيسية / الاخبار / صيغة شتاينماير سلام أم استسلام؟

صيغة شتاينماير سلام أم استسلام؟

الدكتور خليل عزيمة – أكاديمي ومحلل سياسي

 ضجت وسائل الإعلام الأوكرانية في هذا الأسبوع بعنوان رئيسي “انضمت أوكرانيا إلى صيغة شتاينماير”. وذلك نقلاً عن وسائل الإعلام الروسية، التي أفادت، حسب مصادرها، بأن كييف وقعت على “صيغة شتاينماير”، وهذا بدوره، يفتح الباب أمام اجتماع قمة لزعماء “النورماندي”. وكان ليونيد كوتشما، ممثل الحكومة الأوكرانية في مفاوضات السلام قد اعتمدها في مينسك. وبعد ساعة تماما، في إحاطة عاجلة من مكتب الرئيس، قال فلاديمير زيلينسكي إن أوكرانيا لم توقع على أي شيء بالفعل، ولكنها استجابت ببساطة لرسالة من ممثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجموعة الاتصال الثلاثية.
فما هي صيغة شتاينماير؟ إن أهم ما جاء في هذه الوثيقة هو “يدخل القانون حيز التنفيذ في الساعة 20:00 بالتوقيت المحلي في يوم التصويت في الانتخابات المحلية المبكرة في مناطق معينة من دونيتسك ولوغانسك، والتي سيتم إجرائها وفقًا لدستور أوكرانيا والقانون الخاص لأوكرانيا الذي يحكم إجراء الانتخابات المحلية في المناطق المذكورة ….. “- انتهى الاقتباس. هذه عبارة واحدة أو جملتان. القانون المؤقت بشأن وضع خاص وحكم ذاتي محلي في مناطق معينة من دونيتسك ولوغانسك، والمعروفة أيضًا في المجتمع باسم “القانون حول الوضع الخاص للدونباس”، شريطة أن يتم إجراء الانتخابات المحلية في الدونباس وفقًا لدستور أوكرانيا والتشريع الأوكراني، وكذلك بعد نشر تقرير منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي ستشرف على عقد الانتخابات وفقًا للمعيار الدولية للانتخابات الديمقراطية. ولكن، كما أصبح معروفًا، أن المناقشة المبدئية لـ”صيغة شتاينماير” في اجتماع النورماندي لن تتم وفقًا لشروط كييف ولا توجد بنود بشأن قوات حفظ السلام ونقل السيطرة على الحدود مع روسيا إلى أوكرانيا.
وفور صدور هذه الانباء خرجت في مدن مختلفة من أوكرانيا احتجاجات واسعة، وطالب الآلاف من المحتجين بسحب موافقة أوكرانيا على وثيقة “صيغة شتاينماير” كأساس لتسوية سلمية في الدونباس، معتبرين أنها خيانة للمصالح الوطنية ووصفوها بأنها الخطوة الأولى للاستسلام. وعبر المحتجون عن رفضهم لأي قرارات قد تؤدي إلى الهزيمة في الحرب مع روسيا. فيما اعتبر مكتب الرئيس فلاديمير زيلينسكي أن الوثيقة هي خطوة فنية ضرورية لبدء عملية السلام. ولم يُطمئن وعد زيلينسكي للمتظاهرين الذي تضمن عدم إجراء أي انتخابات “تحت تهديد السلاح”، إلا بعد نزع سلاح جميع ميليشيات الدونباس التي لا تخضع لسيطرة السلطات الأوكرانية. وأن قانون الوضع الخاص ساري المفعول حتى 31 كانون الاول/ديسمبر 2019، وسيكون هناك قانون جديد، سيتم تطويره من قبل البرلمان بالتعاون الوثيق والمناقشة العامة مع الشعب، وفي هذا القانون الجديد، لن يتم تجاوز “خط أحمر” واحد، ولهذا السبب لن يكون هناك أي “استسلام”. في الوقت نفسه، أشار الرئيس زيلينسكي إلى أن “صيغة شتاينماير” ينبغي تنفيذها في المستقبل في القانون الجديد المتعلق بالوضع الخاص للدونباس، لكنه لا يزال غير موجود، وإن أوكرانيا لم توقع على أي شيء بالفعل. وقال الرئيس أيضا إن جميع الضمانات المتعلقة بسحب القوات الروسية وإجراء الانتخابات بموجب القوانين الأوكرانية سيتم توضيحها في القانون الجديد. وشدد زيلينسكي أنه لن تكون هناك انتخابات في إقليم الدونباس، حتى تستعيد أوكرانيا السيطرة على حدودها مع روسيا والانسحاب الكامل للجيش الروسي من شرق أوكرانيا. وبعد ذلك توجه الرئيس زيلينسكي إلى الأوكرانيين وشرح الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطات لحل النزاع في الدونباس. وشرح بشكل خاص معنى “قصة الرعب” في الأسابيع الأخيرة التي تسمى “صيغة شتاينماير”. فيما يواصل فريق الرئيس الإصرار على أنه من دون موافقة رسمية على هذه الصيغة، كان من المستحيل إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتأكيد مشاركته في المفاوضات في مجموعة “النورماندي”. ورغم هذه التصريحات سواء من الرئيس أو مكتبه فإن الاحتجاجات في عدد المدن الأوكرانية لم تتوقف.
فيما وصف الرئيس السابق بترو بوروشينكو الموافقة على “صيغة شتاينماير” في مينسك بأنها رفض أوكرانيا الطوعي لـ “خريطة الطريق لتنفيذ اتفاقات مينسك”، التي أيدها الشركاء الغربيون. وفي الوقت نفسه، لا يعتبرون أن الموافقة على “صيغة شتاينماير”، من قبل الرئيس زيلينسكي، خيانة للمصالح الوطنية أو خطوة بعيدة عن عملية الحل السلمي للنزاع. وعلق بوروشينكو على رسالة الفيديو للرئيس زيلينسكي فيما يتعلق بتنفيذ “صيغة شتاينماير”، وعلى وجه الخصوص، فيما يتعلق بإجراء الانتخابات في الدونباس المحتلة، مقيماً بشكل إيجابي كلمة زيلينسكي ودعوته للوحدة، مشيدًا برده على المخاوف العامة والاحتجاجات ضد “صيغة شتاينماير”، واعتبره خطوة في الاتجاه الصحيح. ولكن بوروشينكو انتقد خطة محتملة لإجراء انتخابات في مناطق الدونباس المحتلة “تحت تهديد السلاح”، حيث يوزع الكرملين الآن على نطاق واسع جوازات السفر الروسية على السكان هناك، وأضاف أن أوكرانيا لم تتلق أي ضمانات بأنها ستستعيد السيطرة على كامل حدودها مع روسيا.
أما زعيمة حزب باتكيفتشينا، يوليا تيموشينكو فقد انتقدت بشدة تصريحات القيادة الاوكرانية والرئيس زيلينسكي. كما وأوضحت أن أكثر من 60% من السكان لا يعرفون ببساطة “صيغة شتاينماير”. وأضافت تيموشينكو على أنه يجب على كل الأوكراني الدفاع عن سيادة أوكرانيا. وفقا لتيموشينكو، ينبغي حل مشكلة الحرب في الدونباس ليس وفقا ل “صيغة شتاينماير” في شكلها الأصلي، ولكن وفقا لصيغة أوكرانية، لأنه بمجرد أن تستنتج منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن الانتخابات نزيهة وقانونية وشفافة والتي ستعقد تحت السيطرة الكاملة لروسيا ، سيتعين على الحكومة الأوكرانية على الفور إصدار قانون يمنح الدونباس وضعًا خاصًا بشكل مستمر.
في روسيا تم اعتبار توقيع أوكرانيا على “صيغة شتاينماير” بمثابة انتصار شخصي للكرملين وفرصة لجعل إدارات الاحتلال طرفًا في المفاوضات مرة أخرى. وللوهلة الأولى إن “صيغة شتاينماير” ليس لها علاقة مباشرة بمصير شبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا، ويمكن للمرء حتى أن يقول إن اتفاقيات مينسك نفسها ليست مرتبطة مباشرة بها. ومع ذلك، إذا تعاملنا مع ما يحدث كجزء من عملية استعادة وحدة وسلامة أراضي أوكرانيا، فسوف نرى على الفور المخاطر الناشئة لهذه الصيغة على حل مشكلة شبه جزيرة القرم. ليس سراً على أي شخص أن تنفيذ “صيغة شتاينماير” كان في المقام الأول شرطًا روسيًا، وبدونه لم يوافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل قاطع على عقد اجتماع في مجموعة “النورماندي”، والذي أبدى رئيس أوكرانيا فلاديمير زيلينسكي اهتمامًا كبيرًا به. وإن الشيء الأكثر أهمية هو أن الكرملين فهم كيفية التحدث مع الرئيس الأوكراني، وكيفية تغيير التنازلات إلى إمكانية الحوار، وكيفية استخدام مجموعة من أدوات الضغط والوعود سواء في الدونباس أو في شبه جزيرة القرم.
إذا أخذنا نظرية الاستسلام كأساس، فإن “صيغة شتاينماير” ستضمن حصول المسلحون والانفصاليون في الأراضي المحتلة على العفو، وستجرى الانتخابات، وسيكون لمجرمي الأمس الحق في الجلوس في البرلمان الأوكراني، وسيكون على البرلمان الأوكراني نفسه تعديل الدستور وتشريع الوضع الخاص للدونباس. وكل هذا سيحدث في ظل وجود نفوذ سياسي وعسكري روسي في الأراضي المحتلة، الأمر الذي سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى امتصاص أوكرانيا من قبل الكرملين.
إن أوكرانيا لن تكون قادرة على التخلي، دون عواقب معينة ، عن تنفيذ ما يسمى “صيغة شتاينماير” المتفق عليها في مينسك، فهي تُحمل أوكرانيا بعض الالتزامات السياسية. فإذا وقعت أوكرانيا على “صيغة شتاينماير” فإن ذلك سيكون مؤشراً إما على عدم الكفاءة العميقة للرئيس الأوكراني، أو محاولة لإخفاء استسلام أوكرانيا لبوتين. فإن إجراء أي انتخابات محلية في ضل سيطرة المليشيات المسلحة الانفصالية المدعومة من روسيا، في الواقع، هو إضفاء الشرعية على جميع العصابات المحلية والانفصاليين، وعلاوة على ذلك فإن اعتماد قانون “الوضع الخاص للدونباس” سيؤدي إلى انفصال الدونباس وهذا ما يهدد وحدة وسلامة أراضي أوكرانيا.
فهل هذه خطوة بداية الاستسلام ، أم يمكن اعتبارها فرصة جديدة للسلام؟

شاهد أيضاً

ترامب ونتنياهو يعولان على الوقت: سياسة الحظر والتعتيم لطمس معالم الإبادة في غزة

منذ اندلاع الحرب على غزة، لم تكن المعركة عسكرية فقط، بل رافقتها معركة أخرى لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *