الرئيسية / مقالات / ( نرجس بري ) الباب الثالث : سؤال

( نرجس بري ) الباب الثالث : سؤال

كانت جدتي تذهب بمفردها إلى باريس لكنني أجهل السبب أشعر حقا بأنها تخفي سرا عني ، و تزداد تلك الهواجس بمراودتي كلما ذهبنا إلى الكنيسة للصلاة فهي تهمس باسم والدتي دائما ولكنها لا تخبرني بشيء.
لا أعلم شيئا عن والداي فجدتي ترفض التحدث عنهما و لكنها في المقابل قامت بدورهما على أكمل وجه، ربما لأن الماضي كان يحمل أشياء تنهش في صدرها و نسيانها هو الحل للسلام الداخلي.
انه يوم جديد إستيقظت على رائحة منعشة للفطور و هاهي جدتي تنادي إستيقظي إستال لتناول الطعام.
ما أجمل أن تجد شخصا يطبخ لك ، بالنسبة لي الطبخ ليس مجرد مقادير و مكونات توضع وفق ترتيب معين بل الطبخ هو روح قائمة بحد ذاتها ولمسات دافئة و مشاعر جياشة نشعر بها كلما تناولنا طبقا صنعه شخص من أجلنا ، هو طريقة خاصة للتعبير عن حبنا .
: بعد تناول الطعام ذهبنا للعمل ، تعرفت على المساعد الجديد في المطبخ لأن المساعد السابق قد رحل للعيش في منطقة أخرى لظروف خاصة .
جدتي تخبره الآن بقصة الخبز الفرنسي التي سمعتها عنها ألف مرة حتى حفظتها عن ظهر قلب .
قالت انه يلقب بخبز المساواة فبعد الأحداث التي شهدتها فرنسا قبل القرن التاسع عشر حيث هيمنت التفرقة الاجتماعية و الطبقية في كل شؤون الحياة حتى في الخبز فقد كان له أنواع و ألوان تقدم لكل فئة على حدى فللطبقة الغنية خبز أبيض و للطبقة المتوسطة خبز أسمر و أما الطبقة الفقيرة فلها خبز رمادي .
: لا أعلم ما مشكلة الإنسان مع الألوان فقد تعرض السود للعنصرية من البيض و تعرض الفقراء للعنصرية من الأغنياء فحرموهم من لمس الخبز الأبيض و سمحوا لهم بتناول الخبز الرمادي .
اللون الرمادي هو مزيج من اللونين الابيض و الأسود و كأنهم أرادوا تهميشهم بوضعهم في المنتصف و ما أسوء المنتصف الذي يجعلك معلقا بين حالتين لا أنت قادر على البقاء فيه و لا أنت قادر على الهرب فقط يشعرك بأنك مختلف.
: لكن بعد الثورة الفرنسية ظهر خبز الباغيت ليساوي بين الجميع فهو خبز فاخر و بخس الثمن في الوقت ذاته .
***
جلسنا لأخذ قسط من الراحة و حضرنا بعض الشاي الساخن لتدفئة أجسادنا و أخذنا نتجاذب أطراف الحديث كنت جالسة أنا و ألكسندر.
ألكسندر هو المساعد الجديد يبدو شخصا لطيفا و محبا للعمل لكن ما لفتني أن في عينيه جرح مدفون .
و من حديث لآخر سألني ألكسندر : هل أنت مرتبطة؟
أجبته : كلا ،و أنت ؟
قال: لقد كنت مرتبطا بإمرأة رائعة جميلة جدا كانت حبيبة وصديقة و أما في الوقت عينه ، معها شعرت بقيمة الحياة كان كل يوم مختلفا عن اليوم الذي قبله ، إمتلكت قلبي و كل كياني كانت إبتسامتها المنقوشة بإحتراف على شفتيها تنسيني كل ألم أو تعب لكن الزيف يكشف مع مرور الوقت .
سألته بإندهاش :لماذا هذا التجهم على وجهك ما اللذي حصل ؟
قال: تركتني دون سابق إنذار و ذهبت لأحضان رجل آخر ،لم أعلم السبب و لم تخبرني بأي شيء لكن لشدة حبي لها تركتها لما تريد .
سألته باندفاع : ربما أخطأت في حقها بشيء ما لأن الحب الكبيريستحيل أن يبهت بتلك البساطة إلا إن لم يكن حقيقيا منذ البداية .
قال: بعد فترة من رحيلها تغير كل شيء في حياتي ، لم أستعد توازني بعد و لكني أحاول، الشيء الوحيد الذي أدركته بعد تلك المدة أني إهتممت بهاأكثر من اللازم و أحببتها أكثر من اللازم و الحب الكبير ينتهي بألم كبير.
عدت إلى البيت و كلماته الأخيرة تتردد على مسامعي ،إستغربت حقا.
لقد كنت ساذجة المشاعر وقتها لم أفهم قصده حين قال الحب الكبير ينتهي بألم كبير ، كيف لشخص أن يحبك ثم يتركك ذليلا مكسور الخاطر.
الحب بالنسبة لي هو شيء عظيم مقدس حاشاه أن يلوث بتلك الطريقة .
يتبع……….

خريف أوديسا للكاتبة إيمان حسونه

شاهد أيضاً

نداء منظمة الدرع الدولية لحماية الأرض والإنسان من قبضة الفوضى العالمية

تطلق منظمة الدرع الدولية نداءها العاجل إلى شعوب العالم في لحظة حرجة من تاريخ البشرية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *