اتفاقية سايكس بيكو: العرب ليسوا السبب.. بل الاستعمار
10.02.2025
الاخبار, مقالات
419 زيارة

عندما اجتمع الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو عام 1916، لم يكن هدفهما بناء مستقبل عادل لشعوب الشرق الأوسط، بل تقسيم إرث الدولة العثمانية بما يخدم مصالح بلديهما. جاءت اتفاقية سايكس بيكو لتقطع أوصال المنطقة، دون اعتبار للتاريخ أو الجغرافيا أو التكوين السكاني، وأصبحت لاحقًا الأساس الذي بنيت عليه الحدود الحديثة لدول الشرق الأوسط.
بعد سقوط الدولة العثمانية، وجد العرب أنفسهم في كيانات مصطنعة، تتحكم فيها قوى استعمارية رسمت الخرائط دون استشارة أهلها. وأدى هذا التقسيم إلى إشعال جذور الصراعات القومية والطائفية والمذهبية، ما جعل المنطقة ساحة للفوضى والاضطرابات المستمرة. ولم تكن هذه مجرد نتيجة عشوائية، بل جزءًا من استراتيجية متعمدة تهدف إلى إبقاء الشعوب العربية ضعيفة ومنقسمة، ما سهل السيطرة الاستعمارية عليها لعقود طويلة.
تفكيك العالم العربي وتهميش الأقليات
أحد أكبر تداعيات اتفاقية سايكس بيكو كان إهمالها التام لتنوع شعوب المنطقة، ما أدى إلى تهميش الأقليات العرقية والقومية والدينية، وحرمانها من حقوقها الطبيعية. لم يكن هدف القوى الاستعمارية بناء دول حديثة ومستقرة، بل تفكيك الروابط الاجتماعية والتاريخية، وخلق صراعات تخدم مصالحها.
الأكراد، أحد أقدم الشعوب في المنطقة، وجدوا أنفسهم موزعين بين أربع دول رئيسية (العراق، سوريا، تركيا، إيران) دون الاعتراف بحقوقهم القومية، ما أدى إلى حروب واضطهاد مستمر ضدهم.
الأمازيغ، سكان شمال إفريقيا الأصليون، تم تهميشهم في بلدان مثل الجزائر والمغرب وليبيا، رغم أنهم يشكلون نسبة كبيرة من السكان.
الآشوريون والسريان والكلدان، وهم من أقدم المسيحيين في العالم، تعرضوا للإقصاء والاضطهاد، وخسروا أراضيهم التاريخية، مما أدى إلى تناقص عددهم بشكل كبير.
الدروز واليزيديون والشركس والنوبيون وغيرهم من المجموعات العرقية والدينية، تعرضوا للتهميش السياسي والاقتصادي، وتم وضعهم في دول لا تعترف بحقوقهم أو خصوصياتهم الثقافية.
هذا التوزيع القسري أدى إلى تفجير صراعات لا تزال مشتعلة حتى اليوم، حيث أصبح العديد من هذه الأقليات بين خيارين: الاندماج القسري أو التمرد من أجل الاعتراف بحقوقهم.
شرارة الفوضى والصراعات الطائفية
لم يكن التقسيم مجرد خطوط مرسومة على الخريطة، بل كان مخططًا استراتيجيا طويل الأمد لإضعاف العرب والمسلمين، عبر إشعال النزاعات الطائفية والمذهبية. قبل الاستعمار، ورغم وجود اختلافات دينية وقومية، كانت شعوب المنطقة تعيش معًا في ظل إمبراطوريات متعددة الأعراق، حيث لم تكن هذه الانقسامات تُستغل كما هي اليوم.
بعد تقسيم المنطقة، أصبحت الدول الجديدة كيانات ضعيفة، تدور في فلك المستعمر، وتعتمد عليه اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا. ولم يكن غريبًا أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراعات دموية بين:
السنة والشيعة في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
الأكراد والعرب في العراق وسوريا وتركيا.
المسلمين والمسيحيين في عدة دول عربية.
لم يكن المستعمر مجرد متفرج على هذه النزاعات، بل لعب دورًا مباشرًا في تأجيجها، عبر دعم فصائل معينة ضد الأخرى، وتمويل الحروب الأهلية، والتدخل كلما بدأ الاستقرار يعود إلى المنطقة.
العرب ليسوا السبب.. بل الاستعمار
يحاول البعض اليوم تحميل العرب مسؤولية الفوضى والانقسامات التي تعيشها المنطقة، متجاهلين أن الحدود التي فرضها الاستعمار هي التي خلقت هذه الصراعات. لم يكن العرب هم من اخترع الطائفية، ولم يكونوا هم من رسم الخرائط التي فصلت بين القبائل والشعوب والمذاهب، بل كان ذلك من تدبير القوى الاستعمارية، التي لا تزال تتدخل حتى اليوم للحفاظ على الانقسام والتشرذم.
لقد أوجدت سايكس بيكو كيانات هشة، لا تملك مقومات الدولة القوية، ما جعلها عرضة للتدخلات الأجنبية والحروب الأهلية. وفي كل مرة تحاول فيها دولة عربية التحرر من هذا الإرث الاستعماري، يتم استهدافها بحروب اقتصادية أو عسكرية، لإبقائها داخل الدائرة نفسها من الفوضى والتبعية.
إرث يجب تفكيكه
إن تأثير سايكس بيكو لم ينتهِ بعد، بل استمر بأشكال جديدة، سواء عبر الاحتلالات المباشرة أو التدخلات الخارجية، أو إثارة الفتن بين الشعوب. وإذا أرادت المنطقة أن تنهض من جديد، فعليها أن تدرك أن مشاكلها لم تبدأ من داخلها، بل فُرضت عليها. الحل لا يكون بالاستسلام للواقع، بل بمواجهة مخلفات الاستعمار، وإعادة بناء دول تعكس حقيقة شعوبها وتاريخها، وليس مجرد كيانات فرضها الغرب للحفاظ على مصالحه.
لقد آن الأوان لإدراك أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عندما تنتهي آثار سايكس بيكو، ويتم تجاوز التقسيمات المصطنعة، وإعادة تشكيل المنطقة وفقًا لهويتها الحقيقية، لا وفقًا لما خططه المستعمر قبل أكثر من مئة عام.
الباحثة امل ظاهر