صالح ظاهر | الشرق الأوسط الجديد: مشروع يبنى على جثث الفلسطينيين وتواطؤ العالم
29.06.2025
الاخبار, الصحافة, مقالات
239 زيارة

يعاد رسم الشرق الأوسط لا على طاولة تفاوض بين دول ذات سيادة، بل فوق جثث الفلسطينيين، وبين أنقاض منازلهم، وعلى صوت أنين أمهاتهم وهم يبحثون عن أشلاء أطفالهم تحت الركام. لا شيء أكثر وقاحة من محاولة فرض شرق أوسط جديد بإشراف ترامب، المتغطرس الذي حول السياسة إلى مزاد، وبمساعدة مجرم الحرب نتنياهو، الذي يرى في الدم الفلسطيني مادة أولية لمشاريعه التوسعية.
تختصر فلسطين في هذا المخطط إلى عقبة تقنية، تعرقل الاستثمارات والتطبيع وتقدم رأسها على مذبح الاستقرار. تغتصب الأرض، يشرد السكان، يحاصر الباقي بالنار والجوع، ثم يطلب من الشعب الفلسطيني أن يوقع على صك استسلام، وأن يقبل بوطن بديل، وهو الذي يحمل مفاتيح منازله منذ أكثر من سبعة عقود، وينتظر تطبيق القرار الأممي رقم 194 القاضي بحقه في العودة، كأبسط تعبير عن كرامة مهدورة وعدالة مؤجلة.
أكثر من سبعة ملايين لاجئ فلسطيني في الشتات ليسوا مجرد رقم في تقارير الأمم المتحدة، بل هم دليل حي على جريمة مستمرة، وشهادة على عجز العالم، وعلى سقوط أخلاقي عالمي تتواطأ فيه الديمقراطيات الغربية مع العنصرية الصهيونية. هؤلاء اللاجئون لم يهاجروا طوعا، ولم يخسروا بيوتهم في زلزال طبيعي، بل سحقوا تحت جنازير دبابات الاحتلال، وشردوا تحت سطوة التطهير العرقي الذي تم تحت أعين من يدعون حماية القيم الإنسانية.
أي شرق أوسط هذا الذي يبنى فوق نفي الوجود الفلسطيني؟ وأي نظام إقليمي هذا الذي ينطلق من شرعنة الاحتلال وتطبيع القمع؟ لقد تحول الحق إلى تهمة، والمقاومة إلى إرهاب، والجلاد إلى شريك سلام. لقد سقطت منظومة القيم الدولية سقوطا مدويا حين أصبحت جرائم الحرب تبرر باسم الدفاع عن النفس، بينما تقمع الحناجر الحرة ويمنع الفلسطيني من حتى البكاء بصوت عال. والمشهد لم يعد يدار في الخفاء، بل يعرض مباشرة، بإخراج حي عبر اللايف ستريم، حيث تبث الإبادة الجماعية والمجاعة المفتعلة في غزة على الهواء، يشاهدها المجتمع الدولي وكأنها عرض واقعي، ثم يقلب المشهد إلى إعلان تجاري دون مساءلة، ودون خجل.
الفلسطيني اليوم يقتل مرتين: مرة بالصاروخ، ومرة بالصمت. أولئك الذين يعظوننا يوميا عن القانون الدولي وحقوق الإنسان يقفون عاجزين أمام جريمة مكشوفة، لا تحتاج إلى لجان تقص، بل إلى ضمير لم يعد موجودا. كيف يمكن الحديث عن عالم حر في وجود أكثر من سبعة ملايين إنسان مشرد في المنافي، تمنع عودتهم لأنهم لا يملكون الهوية الصحيحة بينما تمنح الأرض لمن لا علاقة له بها سوى بكتب مزورة وتاريخ مصنع؟
صناعة شرق أوسط جديد على حساب فلسطين، ليس سوى تكرار لمأساة سايكس بيكو، ولكن بنسخة أكثر وضوحا، وبتواطؤ بعض العرب هذه المرة. يراد للمنطقة أن تعاد صياغتها على أساس الحماية الأمنية لإسرائيل، والدمار الممنهج لكل من يقاوم هذا المشروع. ومن يعارض، يتهم بالتحريض، بالإرهاب، بالرجعية، بينما المحتل يصبح متحضرا، والمستعمر يصبح ضامنا للاستقرار.
لكن فلسطين، رغم كل شيء، لا تنكسر. من تحت الركام تنهض غزة، ومن تحت الرماد يولد الطفل الذي سيحمل الراية. كل شهيد هو صرخة في وجه هذا المشروع. وكل لاجئ هو تذكير بأن الكذبة لم تكتمل بعد. لا شرق أوسط سيقوم على أنقاض الحقيقة. ولا سلام سيثبت على نفي حق العودة. والذين يخططون المستقبل على أشلاء الفلسطينيين، سيسقطون كما سقط غيرهم، لأن المشروع القائم على الجريمة لا يدوم، ولأن فلسطين، ببساطة، لم تكن ضحية، بل الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذا الزيف الشامل.
الدكتور صالح ظاهر
رئيس منظمة الدرع العالمية