إلى متى سيبقى هذا التواطؤ والصمت المخزي؟
18.07.2025
الاخبار, مقالات
200 زيارة

إلى متى؟
سؤال لا يهدأ في الصدر، يتردد كل لحظة أمام صور الدم والركام والطفولة المحطمة.
إلى متى سيظل العالم صامتًا، يراقب المذبحة وكأنها مشهد في فيلم مكرر؟
إلى متى ستبقى غزة تُذبح أمام أعين الجميع، بينما الدول “العظمى” لا تملك إلا القلق البارد والكلمات الجوفاء؟
في غزة، لا يُقتل الناس فقط، بل يُكسر المعنى الإنساني ذاته.
البيوت لم تعد بيوتًا، بل مدافن جماعية.
الأطفال لا ينامون، بل يرتجفون بين الحطام.
المرضى لا يُعالجون، بل يُتركون ليموتوا بصمت، لأن الدواء محظور، والكهرباء مقطوعة، والمستشفيات مستهدفة.
ومع كل هذا، يبقى “العالم الحر” منشغلًا بإصدار بيانات الشجب، التي لا تُغني جائعًا، ولا تحمي حياةً، ولا توقف مجزرة.
أي إنسانية هذه التي تصمت على الجريمة؟
أي شرعية دولية هذه التي تُصاب بالشلل حين يكون الضحية فلسطينيًا؟
أي قوانين هذه التي تفتح المحاكم حين يصرخ القوي، وتُغلق أبوابها حين يُذبح الضعيف؟
غزة لا تخوض حربًا، بل تُباد.
ما يحدث هناك ليس صراعًا، بل استئصال.
مجزرة على الهواء مباشرة، موثقة بالصوت والصورة، ومع ذلك لا قرار يُتخذ، ولا ضمير يستيقظ، ولا محاكمة تُفتح.
الطفل في غزة لا يبكي فقط، بل يموت من الجوع.
الرضيع لا يجد حاضنة تعمل.
الأم تلد تحت القصف.
والأب يبحث عن بقايا جسد أطفاله بين الأنقاض.
في عالم طبيعي، يُفترض أن تستنفر فيه كل مؤسسات العدالة، أن تتحرك الجيوش لاجتثاث المجرمين، أن تتوقف آلة القتل فورًا.
لكن في هذا العالم… العالم الذي نعيش فيه، تُحسب الأرواح بميزان المصالح، ويُمنح القاتل حصانة، وتُدان الضحية بلغة معكوسة.
غزة لا تسقط وحدها.
مع كل قذيفة، تسقط فكرة العدل.
مع كل صرخة، تُخدش صورة البشرية.
ومع كل شهيد، يُسجل فشل جديد للعالم بأسره.
ما نراه اليوم لن يُمحى من الذاكرة.
لن يكون مجرد فصل في كتب التاريخ، بل سيكون جرحًا مفتوحًا في الضمير الإنساني، ووثيقة إدانة لكل من عرف وسكت، رأى وتجاهل، سمع وبرر.
غزة لا تطلب المستحيل.
لا تطلب سوى أن تُرفع عنها يد القاتل.
أن تُمنح فرصة للحياة، للأمل، للنجاة.
أن تُعامل كجزء من هذا الكوكب، لا كاستثناء مهمل يُجرب عليه كل أنواع العنف.
نكتب اليوم لا لنُفرغ الغضب، بل لنُسجل الحقيقة.
نكتب كي لا يُقال لاحقًا “لم نكن نعرف”.
نكتب لنحمل شهادة في وجه هذا الصمت المريع، الذي بات شريكًا كاملاً في الجريمة.
غزة تستحق أن تعيش.
غزة لا تريد شفقة، بل عدالة.
فإلى متى؟
إلى متى سيبقى هذا التواطؤ؟
إلى متى سيصمت العالم ويقف في صف القاتل؟
إلى متى سيُدان المقتول ويُبرأ الجلاد؟
إلى متى سيبقى الصمت لغة السياسة؟
إلى متى؟
بقلم: أ. عبدالهادي بوسنينة
المفوّض العام لمنظمة الدِرع العالمية لحماية حقوق وحرية المواطن – فرع النمسا
عضو اتحاد الصحفيين والكتّاب الدولي