صالح ظاهر: ترامب بين النمرود وهامان وفرعون – وهم القوة وسقوط الطغاة
01.10.2025
الاخبار, الصحافة, مقالات
158 زيارة

يقف العالم اليوم أمام مشهد متكرر عبر التاريخ: طاغية يتربع على عرش القوة، يظن أن هيمنته أبدية وأن سلطانه مطلق، متوهماً أنه يستطيع التحكم في مصائر الشعوب بإرادته وحدها. الرئيس الأميركي دونالد ترامب جسّد في سياساته وسلوكه صورة حديثة للنمرود وهامان وفرعون، جامعًا بين الغرور والبطش والخديعة. لكنه، كما علمتنا التجربة الإنسانية، ليس إلا حلقة عابرة في سلسلة الطغاة الذين انتهوا إلى مصائر مخزية.
الطغاة عبر العصور يشتركون في وهم واحد: اعتقادهم أن القوة وحدها تصنع الحقيقة، وأن المال والسلاح قادران على كسر إرادة الشعوب. غير أن التجربة التاريخية تؤكد بوضوح أن القوة التي لا يسندها العدل هي وهم زائل، وأن الحقيقة التي تقوم على الباطل لا يمكنها الاستمرار. فالنمرود، رغم جبروته، سقط أمام عجز صغير؛ وفرعون، رغم أهرامه وقصوره، غرق في لحظة؛ وهامان، رغم تحالفاته ودهائه، انهار مشروعه تحت ثقل الزمن.
ترامب ليس سوى انعكاس لهذا النمط من الطغيان. أراد أن يفرض خديعته الكبرى على العالم عبر صفقات مغلفة بالكذب والهيمنة، وعبر شيطنة القضية الفلسطينية وطمس صوت الحق، لكنه لم يدرك أن فلسطين ليست مجرد أرض، بل رمز وجودي للحق في مواجهة الباطل، وللعدالة في وجه الظلم. فلسطين ليست جغرافيا فقط، بل امتحان للضمير الإنساني برمته، وقوة لا تهزم إرادة الإنسان في السعي نحو الحرية.
الهيمنة التي يمارسها ترامب على قادة العالم هي وهم السيطرة، ذلك الوهم الذي يجعل المستبد يظن أن مصائر الشعوب بيده. لكنه يغفل عن حقيقة أعمق: الشعوب، مهما ضعفت أو تفرقت، تحمل في داخلها طاقة الرفض والنهضة، وأن التاريخ لا يرحم من يتحدى سنن العدالة الكونية. الظلم وإن طال، فإن العدل باقٍ ما بقي الإنسان حيًا.
قد تملك الولايات المتحدة ترسانة عسكرية واقتصادية هائلة، لكنها عاجزة عن شراء ذاكرة الشعوب أو محو وعيها الجمعي. والوعي هو السلاح الأعظم، لأنه لا يُقهر ولا يُشترى. هنا تكمن المفارقة: الطغاة يصنعون وهم الخلود، لكنهم في الحقيقة يزرعون بذور سقوطهم بأيديهم، حين يزرعون الظلم في كل قرار متكبر، وفي كل فعل ينتهك الكرامة الإنسانية.
في الظلام الدامس، حين تغيب العدالة ويزداد القهر، تبرز معركة الوعي والكرامة الإنسانية. فحتى في أكثر اللحظات قسوة، يبقى القلب البشري صامدًا، والروح حرة، والضمير حيًا. هذا هو السلاح الذي لا تهزه الجيوش ولا ترعبه التهديدات، والسلاح الذي يكتب نهاية الطغاة قبل أن يكتبوا هم تاريخهم.
نقول لكل من يسعى لفرض الهيمنة بالقوة والتهديد: قد تظنون أنكم تصنعون قدراً جديداً للعالم، لكن التاريخ ليس لوحة بيضاء يكتبها الأقوياء كيف يشاؤون؛ إنه سجل مقاومة يخلّد الشعوب الحرة ويطمس أسماء الطغاة. نهايتكم ليست قدرًا بعيدًا، بل حقيقة ماثلة، فسنن الكون لا تتبدل: ما صعد بغير حق هبط بغير رحمة.
ولا ننسى أن هناك دائمًا الكثير من أحرار العالم والمدافعين عن الكرامة الإنسانية، الشجعان الذين يقفون في وجه الظلم ويحملون شعلة الحق والعدالة، مهما طغى الظلام، مثبتين أن الإنسان حامٍ للنور الذي لا يمكن أن يُطفأ.
الدكتور صالح محمد ظاهر
رئيس منظمة الدرع الدولية
رئيس اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي
الأمين العام للإتحاد الدبلوماسي الدولي