امريكا صراع داخلي فوضى عارمة ولماذا همها غزة
21.10.2025
الاخبار, الاخبار العالمية, مقالات
53 زيارة

تشهد الولايات المتحدة هذه الايام موجة غير مسبوقة من الصراعات الداخلية والفوضى السياسية التي تشمل اضرابات حكومية وتأخيرات في الخدمات وانقسامات حادة بين القوى السياسية. فمنذ بداية اكتوبر دخلت الحكومة الفيدرالية في ايقاف جزئي بسبب فشل الكونغرس في تمرير الموازنة العامة ما ادى الى توقف عمل الاف الموظفين وتعطل العديد من الخدمات الحيوية.
وفي الوقت نفسه خرج ملايين الامريكيين في احتجاجات واسعة تحت شعار No Kings Movement للتعبير عن رفضهم لما يرونه انزلاقا ديمقراطيا نحو سلطة فردية ومطالبتهم باستعادة دور الشعب ومساءلة النخبة السياسية والاقتصادية.
الصراع الداخلي يشتعل
تعيش امريكا اليوم حالة من الشلل المؤسسي اذ تتصاعد الخلافات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي ويتعمق الانقسام حول قضايا تمس جوهر النظام السياسي مثل الهجرة والضرائب والرعاية الصحية الى جانب ازمة الثقة بين المواطن والدولة.
الاحتجاجات الاخيرة ليست مجرد تعبير عن غضب اجتماعي بل هي اشارة الى ازمة هوية وطنية تعصف باكبر ديمقراطية في العالم حيث بات المواطن الامريكي يشعر بان صوته لم يعد يحدث فرقا في نظام تتحكم فيه الشركات العملاقة واللوبيات الاقتصادية والعسكرية وعلى راسها اللوبي الصهيوني.
فبينما تتهاوى القيم الديمقراطية في الداخل تظل السياسة الخارجية الامريكية منسجمة تماما مع مصالح مجموعات الضغط القوية التي توجه القرار السياسي وابرزها ايباك التي تعد من اكثر جماعات الضغط تاثيرا على الكونغرس والادارة الامريكية في كل ما يتعلق باسرائيل.
لماذا غزة
السؤال الجوهري هنا لماذا في ظل كل هذه الفوضى الداخلية تواصل امريكا انشغالها العميق بما يجري في غزة
الاجابة لا يمكن اختزالها في البعد الانساني او السياسي فقط بل في تركيبة السلطة الامريكية نفسها
التحالف الاستراتيجي والالتزام التاريخي
منذ منتصف القرن العشرين اعتبرت واشنطن ان اسرائيل هي الامتداد الطبيعي لنفوذها في الشرق الاوسط لذلك فان حماية امن اسرائيل ليست مجرد خيار سياسي بل جزء من العقيدة الاستراتيجية الامريكية.
وهذا ما يجعل اي ادارة جمهورية كانت ام ديمقراطية تبقي التزامها ثابتا تجاه تل ابيب حتى وان كانت تعاني من انهيارات داخلية.
دور اللوبي الصهيوني في صناعة القرار
يتمتع اللوبي الصهيوني بنفوذ استثنائي في مراكز القرار الامريكي فهو لا يقتصر على التاثير في الكونغرس بل يمتد الى الاعلام والتمويل الانتخابي ومراكز الفكر.
وبذلك فان دعم اسرائيل ليس فقط نتاج رؤية استراتيجية بل نتيجة شبكة مصالح مالية وسياسية متشابكة تجعل من انتقاد اسرائيل خطا احمر داخل المؤسسات الامريكية.
ولهذا فان الادارات الامريكية المتعاقبة بما فيها ادارة الرئيس ترامب الحالية تدرك ان اي انحراف عن هذا المسار قد يكلفها سياسيا وانتخابيا.
الازدواجية الاخلاقية في السياسة الامريكية
بينما تتغنى واشنطن بشعارات الحرية وحقوق الانسان فانها تغض الطرف عن الماسي الانسانية في غزة.
هذا التناقض يعكس الفصام الاخلاقي في السياسة الامريكية الدفاع عن الديمقراطية في الخطاب ودعم الاحتلال في الممارسة.
فما يجري في غزة ليس مجرد صراع اقليمي بل امتحان عالمي للضمير الانساني فشلت فيه امريكا مرارا اذ باتت العدالة عندها مرهونة بالمصالح لا بالمبادئ.
ترامب وامن اسرائيل اولا
تعتمد ادارة الرئيس دونالد ترامب نهجا صريحا في دعم اسرائيل يتجاوز ما كان يسمى التوازن الامريكي التقليدي.
فمنذ وصوله الى السلطة اعاد ترامب ترتيب اولويات السياسة الخارجية واضعا امن اسرائيل في المقدمة حتى على حساب المصالح الامريكية الاوسع في الشرق الاوسط.
ويعرف ترامب جيدا ان اللوبي الصهيوني يشكل ركيزة اساسية في تمويل حملاته الانتخابية وفي صناعة صورته السياسية ولهذا فان مواقفه تجاه غزة ليست نتاج قناعة شخصية بقدر ما هي صفقة سياسية محسوبة بدقة.
التناقض بين الداخل والخارج
من المفارقات ان واشنطن التي تعاني انقسامات تهدد تماسكها الداخلي تحاول ان تظهر نفسها كقائدة للنظام الدولي.
لكن الحقيقة ان فقدان العدالة في غزة هو انعكاس لفقدان العدالة داخل امريكا نفسها.
فحين يترك ملايين الامريكيين دون رواتب بسبب الاغلاق الحكومي في الوقت الذي تصرف فيه المليارات لدعم اسرائيل عسكريا تتجلى بوضوح اولويات النظام الامريكي الاستقرار الخارجي على حساب العدالة الداخلية وامن اسرائيل على حساب امن المواطن الامريكي.
امريكا اليوم تقف على مفترق طرق
داخليا تواجه تحديات غير مسبوقة تهدد بنيتها السياسية والاجتماعية
وخارجيا تواصل دعمها غير المشروط لاسرائيل رغم ادراكها ان هذا الدعم اصبح عبئا اخلاقيا وسياسيا
ان ما يجري في غزة ليس قضية فلسطينية فقط بل مرآة لوجه امريكا الحقيقي دولة تعاني الانقسام في الداخل وتعيش ازدواجية في الخارج
فحين تتجاهل دماء الاطفال في غزة وتبرر قصف المستشفيات والمدارس تحت شعار حق الدفاع عن النفس فانها في الواقع تفقد ما تبقى من شرعية قيادتها الاخلاقية للعالم
لقد اصبح واضحا ان امريكا لا تهتم بتوتراتها الداخلية بقدر ما تهتم بحماية امن اسرائيل لان في ذلك ضمانا لبقاء نفوذها وتلبية لمطالب اللوبيات التي تمول سياستها
وهكذا فان غزة لم تعد فقط ساحة حرب بل ساحة اختبار لضمير العالم وفي مقدمته الضمير الامريكي
مقالات وكالة الأنباء الدولية صوت العالم